ابن الجوزي

161

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

بينه وبين أصحابه فصلبوه ففيه نزلت هذه الآية * ( كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قال لِلإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ الله 59 : 16 ) * إلى قوله : * ( جَزاءُ الظَّالِمِينَ 59 : 17 ) * [ 1 ] . ومن ذلك : قصة سبإ [ 2 ] : قال علماء السير : لمّا ملكت بلقيس جعل قومها يقتتلون على واديهم ، فجعلت تنهاهم فلا يطيعونها فتركت ملكها وانطلقت إلى قصرها فنزلته ، فلما كثر الشرّ بينهم وندموا أتوها ، فأرادوها على أن ترجع إلى ملكها فأبت ، فقالوا : لترجعن أو لنقتلنك فقال : إنكم لا تطيعونني ، وليست لكم عقول ، فقالوا : ها إنا نطيعك ، فجاءت إلى واديهم ، وكانوا إذا أمطروا أتاه السيل من مسيرة ثلاثة أيام ، فأمرت به فسد ما بين الجبلين بمسناة ، وحبست الماء عمن وراء السدّ ، وجعلت له أبوابا بعضها فوق بعض وبنت لمن دونه بركة ، وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدد أنهارهم ، فكان الماء يخرج بينهم بالسوية ، وكانت لهم جنّتان عن يمين واديهم وعن شماله ، فأخصبت أرضهم وكثرت فواكههم ، وإن كانت المرأة لتمر بين الجنتين والمكتل على رأسها فترجع وقد امتلأ من التمر وما مسّت بيدها شيئا منه ولم يكن يرى [ 3 ] في بلدهم حية ولا عقرب ولا بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ، وتمر العرب ببلدهم وفي ثيابهم القمل فتموت القمل لطيب هوائها ، وقيل لهم : كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلده طيبة - أي هذه بلده طيبة - ولم تكن سبخة ولا فيها ما يؤذي ، وكانت ثلاث عشرة قرية ، فبعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيا فكذّبوا الرسل ، ولم يقروا بنعم الله ، فأرسل الله عليهم سيل العرم - والعرم السكر والمسناة - بعث الله سبحانه جرذا فنقبه من أسفله وأغرق به جناتهم ، وخربت به أرضهم ، فتبددوا في البلاد فصارت العرب تتمثل في الفرقة بسبإ [ 4 ] .

--> [ 1 ] سورة : الحشر ، الآية : 16 . وانظر قصة برصيصا في : البداية والنهاية 2 / 136 - 137 . [ 2 ] بياض في ت مكان : « ومن ذلك قصة سبإ » . [ 3 ] في ت : « كمن يرى » . [ 4 ] انظر قصة سبإ في : البداية والنهاية 2 / 158 - 161 .